عين القضاة

مقدمة 19

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

الفصل التاسع ( الغاية من الايجاد والخلق ) إن خطر ببالك أن اللّه تعالى لم يوجد ؟ ألغرض يرجع اليه ؟ فهو محال . أم لغير غرض وهو أيضا محال إلا من طريق الطبع المحض ، ولا يوصف اللّه سبحانه بذلك . فاعلم أن هذا السؤال تحير فيه أكثر العلماء وهو الخاطر الذي خطر لداود النبي - عليه السلام - حيث قال : « أي رب لم خلقت الخلق ؟ فقال له : كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف » وكان المعنى الذي يقتضى صدور الوجود عنه هو الذي كنى عنه بقوله : « فأحببت أن أعرف » . ولا يتصور إدراك ذلك المعنى إلا للعارفين ؛ وإنما نصيب العقل أن يستدل على وجوده بوجود الموجودات ، وذلك بعد ما تحقق عنده أن اللّه عالم بالجزئيات بحيث لا يتشكك فيه فإن العقل إذا تحقق استناد الموجودات اليه وتحقق بعد ذلك علمه بالجزئيات ظهر له لا محالة ، أن ايجاد الواجب مع علمه بالايجاد ، صفة ضرورية الوجود لتلك الذات ؛ كما أن القدم مثلا صفة ضرورية لها . وكما لا يجوز للواجب أن لا يكون قديما فلا يجوز له أن لا يكون مصدرا للخلق ؛ وكان قول القائل : لم كان مصدرا للوجود كقوله لم كان قديما . والجواب أنه لو لم يكن قديما لم يكن واجبا ؛ ولو لم يكن مصدرا للوجود أيضا لم يكن واجبا . فمن تحقق استناد الوجود اليه فلا بد وأن يقول : إن الايجاد صفة له ؛ فيقول : هذه الصفة ان كانت ضرورية الوجود له فالسؤال بلم عن كونه موصوفا بها ، هوس ؛ فهو كالسؤال بلم عن كونه قديما ؛ وإن كانت غير ضرورية الوجود له ، فهي صفة عارضة خارجة عن ذاته ، والعوارض تحتاج إلى العلل والواجب يأبى بذاته أن يحتاج في شئ إلى شئ وإلا لم يكن واجبا .